Site Overlay

صحافة وإعلام حضرموت.. وأزمة مواجهة الشائعات والأخبار الزائفة (Fake news)

في خضمّ الأزمة الحالية التي يعيشها العالم وتعيشها حضرموت برزت الكثير من الأصوات في حضرموت شاكية بانتشار الشائعات والأخبار الزائفة أو ما يسمى (Fake news). وهو مصطلح جديد انتشر مع تعاظم استراتيجيات التضليل والدعاية والتلاعب في منصات الميديا الاجتماعية، والخبر الزائف هو خبر صمّم لغاية معلومة وهي تضليل الجمهور والتلاعب به. (الصادق الحمامي. الترا تونس. 2019).
وما شد انتباهي أكثر، تصاعد بعض الأصوات “العاطفية” في حضرموت والتي تخاطب الناشرين للأخبار الزائفة (Fake news) بالتودد والنصيحة، والتخويف بيوم القيامة، دون تقديم طريقة واقعية للحد من هذه المشكلة.
لا أتعارض مع هذا التوجّه ولكن باعتقادي أنه لو كان لدينا شخص يُخضِع ضميرَه لمثل هذه النصائح لما نشر من بدايته، ولذلك فالمسألة حلها لا يأتي بهذه الطريقة، وإنما لا بد من حل عملي على الواقع يجابه الشائعات والأخبار الكاذبة (Fake news)، والمساهمة في الحد منها بشكل علمي وفعّال.. شدّت انتباهي أيضًا بعض الاقتراحات للمعالجة مثل (غرفة الرصد) وهي فكرة مازالت لم تتمحور بعد كما أخبرني بعض الزملاء وأنها صدرت كاقتراح عن الإخوة في نيابة استئناف حضرموت إن لم أخطئ في ذلك في اللقاء الأخير بالصحفيين، هي كذلك أرى بأنها لن تعالج المشكلة لسبب بسيط، وهو لو تم النشر من قبل أشخاص ليسوا حضارم ولا يمنيين من دولهم سواء القريبة أو البعيدة منّا، كيف ستتم محاسبتهم أو القضاء على نشاطهم؟! لا نستطيع، وهذا يعني أننا سنظل في نفس الدوامة وربما تستفحل المشكلة أكثر.. إذن ما الحل؟


أزمة اطلاع وقراءة:
قبل أن نتوصل معًا إلى اقتراحات للحلول المرجوّة، دعونا نتحدث بكل صراحة وشفافية ونسلط الضوء على حال صحافتنا وصحفيينا ووسائلنا الإعلامية في حضرموت، وهي نظرة نقدية للرفع من مستوانا جميعًا، حقيقة اتضح لنا جميعًا أن حال الصحافة والإعلام في حضرموت يعيش أزمة معرفية وقانونية لا بد من إعادة النظر فيها، واتضح لنا أيضًا بأنه لا توجد لدينا تصورات صحفية وإعلامية علمية صحيحة عن إدارة الأزمات بشكل علمي حديث لمواجهة الصعوبات والأزمات، وأزمة كورونا الحالية كشفت ذلك جليًا في التخبط الصحفي والإعلامي الذي نعيشه، مما جعلنا نتخبط كذلك في إيجاد حل مشروع وناجع للحد من كثير مشاكل ومنها مشكلة انتشار الإشاعات والأخبار الكاذبة أو الزائفة (Fake news).
وهذا يعطينا تقويم لذواتنا كصحفيين ومؤسسات صحفية في حضرموت بأننا للأسف مازلنا ضعيفي ثقافة وقراءة بما يجري حولنا في العالم، إلى جانب كشفه للهوّة الشاسعة بين وسائل الإعلام والصحفيين من جهة والمجتمع ومواطنيه من جهة أخرى، أيضًا كشف عن غيابنا الكامل عن إدراك انتقال العمل الصحفي اليوم من “خبر قام فلان وقعد علاّن” إلى “لماذا قام فلان وكيف قعد علاّن”، كذلك كشف ضعف الجانب التحليلي والنظر بشكل نقدي علمي مع إعطاء أفكار وحلول عقلانية للمشكلات، وهذا الضعف ليس له علاقة بالدراسة أو الخبرة، وإنما هو عامل كامن في ذات الصحفي نفسه وعدم تعشّمه عناء دقائق خلال يومه ليستكشف عن كيفية عمل الصحافة الحديثة اليوم في العالم.
ولذلك تساوينا جميعنا في هذا التخبط، كبار صحفيينا وصغارهم (أقصد العمر) وليس أحد أكبر من الآخر في مجال المعرفة، وعليه يجب علينا من إعادة النظر بشكل علمي حقيقي في هذا الجانب.


قنوات وإذاعات ومواقع تعتمد العاطفة:
لدينا الآن بحضرموت (ساحلها وواديها) قناتين تلفزية فضائية، ومجموعة قنوات تلفزية أرضية، وأكثر من (10) إذاعات بين حكومية وخاصة، وأكثر من (20) موقع إلكتروني و(3) صحف تقريبًا حكومية وخاصة، وأعتقد بأنها جميعها (إلى الآن) فشلت أمام مجابهة الشائعات والأخبار الكاذبة المنتشرة، واقفة حيالها مكتوفة اليدين لا تعبّر عن ذلك سوى بالعاطفة، إما بعرض الصور السياحية المنمقة أو بالجري خلف المسؤولين أو بالمناشدات الخيريّة أو بالطرب والبكاء على الأطلال، وهذه كلها لن تفيد نفعًا غير القليل في محاربتنا للخطر الأكبر المتمثل في الانتشار السريع للشائعات وزيف الأخبار.
نحن اليوم في حضرموت أكثر من أي وقت مضى لا نحتاج إلى العاطفة أو الترويج للسياحة (مع أهمية هذا الجانب وعدم إهماله) بقدر ما نحتاج إلى المزيد من التوعية القانونية والعلمية والخطوات الحقيقية للعمل الصحفي الكاشف عن صحة الأخبار وزيفها لإعادة بناء الثقة الحقيقية بين المواطن والصحفي أو المؤسسات الصحفية، ولذا أجد بأن المبالغ المالية (سواء الطائلة أو القليلة) التي تُصرف على بعض هذه الوسائل الإعلامية المذكورة سابقًا ما هي إلا للترويج عن شخص أو فئة أو جهات وليس للعمل الصحفي الحقيقي، وهو ما يوقعنا في الخلط بين (الدعاية السياسية والإعلام) واللهث وراء المال والشهرة دون الاهتمام بالمضمون بشكل جدّي.


الصحافة من الخبر إلى التحري:
تهتم الصحافة في العالم اليوم بالتحري عن معلومة الخبر وليس بنقل الخبر فقط، خاصة مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي فقد أدرك الصحفيون والعاملون في مجال الصحافة بأن المواطن العادي ربما يسبقهم إلى نشر حدث ما بكل تفاصيله عبر (الكلمة، الصورة، الفيديو، والصوت)، ولذا فمسألة السبق الصحفي لم تعد خيارًا أوليًا بالنسبة للصحفي، وإنما التأكد من صحة المعلومة والتحري عنها هي المرحلة الأساسية في عمله الجديد.
ولذا خصصت الكثير من المؤسسات الصحفية أقسامًا خاصة بالتحري أو ما يعرف بـ (Fact Checking) وهي نوع مستقل من أنواع الصحافة، تعتمد التحري والتقصي عن المعلومة، وهو ما عزز من دور وأهمية الصحفي وتميزه عن غيره من الناشرين، إلى جانب إعادة هيبة المؤسسة الصحفية وأمانتها واستمرار ثقة الناس بها.
وهنا يجب أن أشير إلى أن عملية التقصي لا تنحصر في التأكد معلومات الخبر فقط، وإنما التحقق أيضًا حتى من تصريحات السياسيين والمرافق وغيرها، ولذا فعندما تصرّح شخصية أو جهة معينة فلا يعني أن الصحفي أصبح لديه مصدر وينتهي دوره هنا (فهذا يسمى نقل للخبر)، إن التحري يعني مواصلة التحقق من معلومات التصريح وهل بالإمكان تحقيق ما صرّح به أو لا ضمن معطيات أخرى يحصل عليها الصحفي من مصادر أخرى موثوقة، هذا إلى جانب التحقق من المعلومات والصور والفيديوهات المصاحبة لمنشورات منصات التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام الأخرى (صحافة، إذاعة، تلفزيون، مواقع الكترونية).

كيف يواجه العالم الأخبار الزائفة؟
سؤال مهم لا بد لنا أن نتوقف عنده قبل أن نصل معًا إلى مقترحات للحد من الشائعات والأخبار الكاذبة أو الزائفة (Fake news) في حضرموت.
السؤال في حد ذاته يعني بأن الأخبار الزائفة (Fake news) ليست عملية تعاني منها حضرموت فحسب، وإنما هي مشكلة تخيّم على العالم، وتكاد أغلب الدول تعاني من هذه المشكلة، ونصل هنا إلى لبّ السؤال: كيف يواجه العالم هذا النوع من الأخبار والشائعات؟
الدول ذات الصحافة الجادة لم تنتهج إطلاقًا مسار العاطفة والتودد والنصح والاكتفاء بذلك، لأن هذا الأمر قطعًا لن يفيد، بل ربما يزيد من الشائعات وانتشارها، بل عملت على اتخاذ تدابير عكسية (التحري) لكسب ثقة الشارع والعمل على كشف الزيف لمواطنيها، فقد تعاملت عديد مؤسسات في أمريكا وانجلترا وفرنسا وغيرها من الدول الأجنبية وبعض الدول العربية مع هذه المشكلة بتبنيها أقسامًا ومواقع تختص في التحقق من معلومات الأخبار والصور والفيديوهات وتصريحات المسؤولين الواردة على وسائل الإعلام أو المنصات الاجتماعية، لتبيّن المعلومة الصحيحة من الكاذبة، وهنا نعطي بعض النماذج لهذه المؤسسات والمواقع على سبيل المثال لا الحصر:

  • مجموعة CNN: https://edition.cnn.com/spec…/politics/fact-check-politics
  • وكالة أسوشييتد بريس (Associated Press): https://apnews.com/APFactCheck
  • مشروع مركز Annenberg للسياسات العامة: https://www.factcheck.org/
  • معهد Poynter: https://www.politifact.com/
  • وكالة الأنباء العالمية رويترز: https://www.reuters.com/fact-check
  • مؤسسة Full Fact: https://fullfact.org/
  • وكالة الأنباء الفرنسية: https://factcheck.afp.com/
  • منصة “فتبينوا” التي عقدت مؤخرًا شراكة مع شركة فيسبوك للتحقق في المنشورات الزائفة، وهي منصة عربية أردنية: https://fatabyyano.net/
    من النماذج السابقة وغيرها نقول: هكذا تعمل الصحافة والصحفيون في العالم لمواجهة الأخبار الزائفة، بل إن الصحفيين العاملين في مجال التحري عن المعلومة قد أطلقوا في العام 2016 “يومًا عالميًا” للتحقق من صدقية الأخبار، وقد خصصوا يوم (2 أبريل) من كل سنة للاحتفال بهذا اليوم، وهو ما يدل على أهمية هذا النوع من الصحافة.

إذن.. كيف نواجه الشائعات والأخبار الزائفة في حضرموت؟
بعد السرد المطول السابق نصل إلى خلاصة القول ونورد معًا بعض الاقتراحات والمعالجات لمواجهة الشائعات والأخبار الزائفة (Fake news) في حضرموت، أعددها في النقاط التالية:

  • التحري الفردي في هكذا ظروف لا تجدي نفعًا كبيرًا، خاصة وأننا رأينا البعض يجتهد بشكل شخصي (مشكورًا) في التحقق والرد على بعض الشائعات والأخبار الزائفة، ويفضّل الانضمام لفريق عمل جاد في هذا المجال.
  • تخصيص فقرات برامجية تحقيقية تلفزيونية على قناتي (حضرموت) الحكومية والخاصة، تُعنى بالتحقق في معلومات الشائعات والأخبار الواردة، التي تنتشر في حضرموت، على غرار فقرة #بوليغراف على تلفزيون العربي، أو برنامج #تريندينغ على BBC العربية، أو برنامج #مراقبون على قناة فرانس 24 وغيرها.
  • أقترح العمل بشكل موحد بين الإذاعات في حضرموت لإنتاج برنامج إذاعي للتحري عن الشائعات والأخبار الكاذبة، ويتم إنتاجه بشكل جماعي وآلية متفق عليها من قبل القائمين على تلك الإذاعات أو بعضها، ثم تُعمم حلقاته اليومية أو الأسبوعية على كافة الإذاعات في أنحاء حضرموت، وأن يتم بثه في وقت واحد.
  • المواقع الالكترونية في حضرموت (جميعها) والتي للأسف أغلب أخبارها جامدة أو (نسخ لصق)، يجب إعادة النظر فيها بشكل جاد، وأن تخصص أقسام أو روابط فرعية تابعة لها للمساهمة في التحقق من الأخبار والصور والفيديوهات التي تنتشر في حضرموت، وتبيان صحتها من عدمها على غرار ما تم ذكره سابقًا في النماذج من هذا المقال.
  • الاستفادة من ربط ما سبق (برامج تلفزيونية أو إذاعية أو صفحات الكترونية) بمنصات التواصل الاجتماعي بشكل صحيح، لتغلب منشوراتها المحققة منشورات الأخبار الزائفة.
    ومن خلال العمل بالمقترحات السابقة سنتوصل في نهاية الأمر إلى عدة نتائج:
    أولها: الحد من انتشار الشائعات والأخبار في المجتمع، لأن المجتمع ستكون لديه وسائل إعلامية مطمئنة لصحة معلوماته أو جزء منها.
    ثانيًا: سنخطو في حضرموت خطوة جادة نحو تحقيق جزء من صحافة التحري (Fact Checking) تحفظ حق الصحفي والمؤسسة والمسؤول والمواطن على حد سواء.
    ثالثًا: إعادة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة (العامة والخاصة)، والصحفي ومؤسسته في حضرموت.
    رابعًا: سيساهم في زيادة الوعي لدى المواطنين والعاملين في مجال الصحافة، بأهمية التحري والتحقق من المعلومات، وأن الصحافة ليست (نسخ لصق) أو (افتتح ودشّن)، وإنما هي عمل “مقدس” يرتقي إلى الحفاظ على مصداقية الكلمة وأمانة النشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *