منصات التواصل الاجتماعي ودرامية حب الذات والنرجسية

مقدمة:
مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي وتزايد عدد مستخدميها إلى ما يفوق الملياري مستخدم لبعض هذه المنصات، برزت الكثير من التغييرات والتطورات على مستوى الحياة الاجتماعية والمعيشية للكثير من الأشخاص، وأصبح لديهم المزيد من الهوس في المشاركة المتواصلة على تلك المنصات إما عبر الكتابة أو الصور أو المرئيات، والتفاعل معها ومع منشورات الآخرين وغيرها من النشاطات اليومية، لكن الذي يميز هذا التفاعل أن كل شخص يحاول تقديم ذاته بطريقة مثالية أو طريقة “تمثيلية” للفت الأنظار إليه ومحاولة التفرد بمزيد من الأصدقاء والمتفاعلين سواء بالتعليقات أو الإعجابات أو المشاركات أو غيرها، وقد يصل به الأمر إلى الإفراط في حب ذاته والوصول إلى النرجسية عبر تلك المنصات.


ولعلّني وفي هذا المضمار لم أنسَ حين أتاني ذات يوم شخص وسألني: كيف لي أن أصبح مشهورًا ومميزًا وأكسب الكثير من التفاعل على حساباتي بمنصات التواصل الاجتماعي، وتقديم ذاتي على أنني المميز والفريد فيما بينهم؟! لم أستغرب من سؤاله لأن عادة الإنسان في الغالب حب ذاته والظهور بها، خاصة مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي التي جعلت العديد من الفارغين مشاهيرًا في دقائق بناء على إظهار بعض السلوكيات الدرامية للشخص. وهو ما تنبأ به الرسام الأمريكي”آندي وورهول” في أواخر الستينيات من القرن الماضي بظهور وسيط إعلامي يوفر للشخص العادي حلم الشهرة السريع، وعبّر عن ذلك في إحدى مقابلاته بمقولته الشهيرة: “في المستقبل، سيتمكن الجميع من أن يصبحوا مشهورين شهرة عالمية خلال 15 دقيقة فقط”. (سامح عودة، موقع ميدان، 2020).


الذات وتقديمها في منصات التواصل الاجتماعي:
لقد أعطت منصات التواصل الاجتماعي الإنسان مساحة وحرية لتقديم ذاته بالشكل الذي يراه هو مناسبًا إلى الآخرين، وهو ما جعله ممثلًا Actor في الكثير من مواقفه تجاه متابعيه وأصدقاءه، ليظهر بذاتيته أمامهم بشكله الفريد والمميز في نظره عن بقية المتابعين أو أفراد المجتمع.
وهنا يتحتم علينا إيراد مفهوم الذات وما تعنيه هذه الكلمة من دلالة علمية فيما لن نتطرق إلى أنواع الذات، فمفهوم الذات كما توضحه بعض الدراسات بأنه معتقدات الفرد حول ذاته التي تتضمن صفاته الجسمية والنفسية والاجتماعية، ووعي الفرد على ما هو عليه من صفات، وبهذا نجد أن مفهوم الذات جزءًا مهما من دراسات علم النفس الاجتماعي والإنساني والتطوري، لكونه يشكل البناء الأساسي الذي يرى فيه الإنسان نفسه عند تفاعله مع الآخرين وكيف ينظر إلى نفسه بوصفه شخصًا فريدًا بمعزل عنهم. (سول ماكلاود، ترجمة: علي صالح).
ویُقصد به كذلك من جانب آخر بأنه وعي الفرد وإدراكه لما لدیه من خواص وصفات (أي إدراكه لھویته)، وتقییمه الذاتي لهذه الخواص والصفات بالنسبة للآخرین، وھو ما یرادف احترام الذات Self Esteem، ویتضمن ھذا التقییم الذاتي صفات وخصائص تعتبر مرغوبة من وجھة نظر المجتمع بمعناه الواسع، إلى جانب صفات وخصائص تتصل بالذات المثالیة من وجھة نظر الفرد. (أميرة بخش).
ومن خلال ما سبق يتبين لنا بأن الذات بشكل عام هي صفات الإنسان الجسمانية والنفسية وإدراكاته وخواصه الاجتماعية التي يتميز بها عن غيره ممن حوله من الأفراد في المجتمع الذي يعيش فيه، وهذه الذاتية هي من تحدد هويته الشخصية وطريقة تعامله مع الآخرين.
وقد وجد الإنسان اليوم في منصات التواصل الاجتماعي المكان الأنسب لاستعراض ذاته والتمثيل بأكثر من دور كشخصية مسرحية لمحاولة التفرد بمنشوراته – سواء الكلمات أو الصور أو المرئيات – التي يحاول جاهدًا من خلالها حشد أكبر قدر من المتفاعلين معه، والشعور بالارتياح أو الانزعاج النفسي طبقًا لكثرة المتفاعلين والمشاركين لمنشوره أو قلتهم، وهو الجزء الذي يظنه ذلك الإنسان المستخدم لمنصات التواصل بأنه المقياس الأهم الذي يبني عليه دوره في المجتمع، متناسيًا التركيز على جودة محتوى المنشور وسلامة لغته وغيرها من الصفات التي من المفترض أن يكون فيها التقييم الأساسي للإنسان على تلك المنصات.

غوفمان والنظرية الدرامية:
إن تمثيل المستخدم على منصات التواصل الاجتماعي لعدد من الأدوار ومحاولة الظهور بمظهر الإنسان المثالي في تعاملاته وتصرفاته لجذب أكبر عدد من المتابعين أو المعجبين أو المتفاعلين يرجعنا إلى نظرية هامة، هي نظرية التقديم الذاتي، وأهم من كتب عنها هو الباحث الأمريكي إرفنغ غوفمان، وهو مؤلف للعديد من المؤلفات أهمها كتابه “تقديم الذات في الحياة اليومية” The Presentation of Self in Everyday Life، حيث قدّم فيه نظريته التي عُرفت بالنظرية الدرامية لفهم الحياة الاجتماعية Dramaturgy.
ويعتقد غوفمان أننا في حياتنا اليومية نضطلع بأدوار مسرحية متنوعة وبمشاركة الجميع، وكل شخص يختار الأدوار المناسبة له في مواقف متعددة، وكأنه في الحقيقة على خشبة المسرح، فهو يراعي بشكل كبير الجمهور المشاهد، وما يتطلبه كل دور من لغة وخطاب وحركات ولباس وتقاليد خاصة؛ ليحقق النجاح في تقمص هذا الدور ضمن فريق المسرحية. (عبدالله السفياني، 2020، موقع mana.net).
فوفق غوفمان إذن، فإن الإنسان يُعدّ ممثلًا يتقمص أكثر من دور في هذه الحياة التي تُعد هي الأخرى مسرحًا تسمح لأولئك الأفراد لعب أدوارهم التمثيلية عليها، وهذا الجانب أيضًا نسقطه على واقع الحياة والمستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي، فالمنصات تُعدّ بمثابة المسرح الذي يضم كثيرًا من الممثلين وهم المستخدمين، ويتقمص كل مستخدم عددًا من الشخصيات في حياته اليومية تتمثل في منشوراته ومراسلاته وحتى في تفاعلاته وردوده وإجاباته مع منشورات غيره، بهدف الوصول إلى بغيته والتي تكون في أغلب الأحيان الشهرة أو كسب المزيد من المتفاعلين، وهو ما يراه نجاحًا يمكنه المفاخرة به.
إن منصات التواصل الاجتماعي هي عالم افتراضي نمارس فيه العديد من السلوكيات الاجتماعية بشكل أوسع من العالم الواقعي، ففي كلا العالمين يمكننا التواصل مع معارفنا وأصدقائنا ومع من حولنا، وكما هو الحال أننا في الواقع حين تواصلنا مع غيرنا نظهر ما نحب أن نظهره من سلوكيات ونخفي الكثير من السلوكيات الأخرى في عملية تمثيلية درامية، وهي خطوة يتبناها الأفراد في مجتمعاتهم بشكل يومي، وعلى ذات الشاكلة فإن المستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي يمارس نفس الطريقة وربما بشكل أوسع ومفرط أحيانًا بهدف الوصول إلى الصورة المثالية التي يحب أن يقدم نفسه بها إلى غيره من الناس. فالسلوك الاجتماعي في نظر غوفمان مماثل للأداء الدرامي، حيث يحاول الفرد الممثل أن يبلغ صورة معينة عن نفسه للآخرين. (باديس لونيس، 2018: 728).


المنصات الاجتماعية وتعزيز حب الذات:
إن حب الإنسان لنفسه والظهور بها بأفضل صورة هي فطرة بشرية مجبول عليها منذ أن خُلق، وتتبعه هذه الصفة في حياته اليومية الواقعية إلى أن يموت. ويؤكد علم النفس أن سمة حب الظهور ولفت النظر هي حاجة نفسية غريزية لا تختلف كثيراً عن غيرها من الحاجات البيولوجية الجسدية كالحاجة للطعام والهواء والشراب والحاجات العاطفية والاجتماعية الأخرى كالحب والعطف وكسب الاحترام. (عائشة الشيخ، الأيام البحرينية، 2014).
وقد انعكست هذه الصفة في الواقع الافتراضي من خلال المستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي ومحاولة كل مستخدم أن يتفرّد بمنشوراته وتفاعلاته وتفاعلات غيره معه بشكل يشعره بالتميز، ولكن إلى هذا الحد ليست هناك مشكلة وإنما المشكلة تكمن حينما يصل الإنسان إلى حد الإفراط في حب الذات وتتملكه النرجسية. ويقول فرويد إن القليل من حب الذات أمر طبيعي، لكن الأمر قد يتحول إلى مرض نفسي، عندما يحب المرء نفسه لدرجة تفقده القدرة على حب الآخرين. (توماس كامورو، bbc.com/arabic، 2019).
إن حب الذات المتزن لا يتعارض مع التواضع والإيجابية في تقدير الذات، لكن حب الذات المُفرط الواصل إلى الحالة النفسية أو النرجسية له الكثير من العواقب على الشخص نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه، وينطبق هذا أيضًا على مجتمعه الافتراضي الذي يشارك فيه مع أصدقاءه على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يصل الحال إلى الاكتئاب وعدم تقبل الرأي أو المشورة أو تتبين في منشوراته الكثير من صفات التنمر والعنصرية، بالإضافة إلى التذمر المتزايد ممن حوله وربما وصفهم بأوصاف دونية.
وقد بينت بعض الدراسات بأن منصات التواصل الاجتماعي كان لها دور في تعزيز النرجسية لدى المستخدم. حيث كشف بحث أولي على الإنترنت عن اعتقاد شائع بأن منصات التواصل الاجتماعي تساهم في نمو النرجسية على مستوى الثقافة والأجيال، إذ توفر هذه المنصات طريقة مناسبة للأفراد للحصول على تفاعلات وتلقي ردود وتعليقات اجتماعية إيجابية من قِبل الجمهور، والتي لا تقتصر فقط على الأصدقاء والمعارف المقربين وإنما حتى من غيرهم، وتكون هذه التعليقات بشكل سريع على المواد المنشورة والمتضمنة بطبيعتها صورًا شخصية ومعلومات حول أنشطة الفرد أو إنجازاته يمكن لها أن تزيد من تقييم المرء لذاته والتي ربما تصل به إلى النرجسية، وقد تناول جزء من البحث فرضية أن منصات التواصل الاجتماعي تُعتبر “سبب” مباشر لارتفاع مستوى النرجسية، وقد خلص النموذج التجريبي الذي تم تنفيذه خلال دراستين إلى أن المشاركين الذين قضوا وقتًا في تعديل وتحرير حساباتهم الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي سجلوا لاحقًا درجات أعلى في النرجسية من عينة المشاركين المستخدمين الطبيعيين على الإنترنت. (Christopher T. Barry and Katrina H. McDougall، 2018: 438-437).

صور “سيلفي” وخلاصة:
وقد راجت مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي صورة من صور حب الذات ربما أغلبنا قد وقع فيها وقام بتجربتها، وهي صور “السيلفي”. وقد نظن أن صور السيلفي أمر مستحدث، إذ أن مصطلح “سيلفي” ظهر لأول مرة في قاموس أوكسفورد عام 2013، وسرعان ما أصبح كلمة العام، إلا أن صور السيلفي ترجع إلى عصر ظهور التصوير الفوتوغرافي، والتُقطت أول صورة سيلفي عام 1839، على يد الأمريكي روبرت كورنيليوس. (توماس كامورو، bbc.com/arabic، 2019).
إن صور السيلفي تعبّر عن تمثيل ودرامية الشخص المستخدم بأعلى مستوياتها، حيث ينتقي بحرص شديد تلك الصور للظهور إلى الآخرين بأبهى لحظات السعادة أو الراحة أو الاستعطاف أو الكرم أو المساندة أو غيرها، وربما يكون الحال واقعيًا لا يمت للصورة أو شعور ذلك الشخص فيها بأي صلة، ومن هنا يمكن للمستخدم أن يكون أكثر عرضة للأمراض العصبية كما يرى فرويد.
إذن، فالإسراف في لعب الأدوار الدرامية ومحاولة إتقان التمثيل فيها جميعًا للوصول إلى المثالية أمر لا يمكن الوصول إليه، والأجدر بالإنسان سواء على نطاق واقعه الاجتماعي المعاش أو عبر عالمه الافتراضي على منصات التواصل الاجتماعي أن يكون وسطيًا يقدر ذاته دون تفريط في ذلك التقدير للوصول إلى الدونية،أو إفراط والوصول بها إلى النرجسية.

You may also like

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *